Menu

كتب الدكتور وليد القططي .. نتنياهو فاسد ولكن ماذا عنّا؟

  • السبت 17 مارس 2018 06:30 م
  • 19 مشاهدة
الققطى.jpg

 بقلم د. وليد القططي

 

اهتمت ولا زالت وسائل الإعلام العربية والفلسطينية بتغطية الأخبار المُتعلّقة بتهم الفساد الموجّهة إلى نتنياهو وزوجته سارة وما صاحبها من حراك قانوني وسياسي وإعلامي داخل الكيان الصهيوني، وذهب بعض الكتّاب والمحللين إلى المبالغة في إيجاد علاقة بين الموضوع وقرارات التصعيد العسكري أو الحرب التي من المحتمل أن يتخذها نتنياهو وحكومته ضد غزة أو لبنان أو سوريا، ولم يوازن الكثير منهم بين دلالات الموضوع السلبية كفساد المؤسسة السياسية الإسرائيلية، ودلالاتها الإيجابية كخضوع القادة الإسرائيليين مثل غيرهم من المواطنين لسيادة القانون ومحاسبتهم ومعاقبتهم إذا أُدينوا، وربما لم يقارن أحد – على حد علم الكاتب – بين خضوع القادة الإسرائيليين لسيادة القانون وعدم خضوع الزعماء والقادة وكبار المسئولين العرب لسيادة القانون إلاّ بعد عزلهم من مراكزهم وخلعهم من مناصبهم، وهذا يقودنا إلى طرح السؤال التالي: وماذا عن الفساد عندنا؟

الفساد عندنا مرتبط بالاستبداد في متلازمة واحدة يُمكن تسميتها بمتلازمة الفساد والاستبداد كصفتين مشتركتين للأنظمة العربية الديكتاتورية، وكجزء من آلية الحكم وممارسة السلطة وجمع الثروة، وكضمان لاستمرار احتكار النخبة الحاكمة للسلطة والثروة. وهذه المتلازمة- الفساد والاستبداد- ليست مرتبطة بأنظمة عريقة في الاستبداد فقط؛ بل نجدها في أنظمة ثورية- سابقاً- ناضلت ضد الاستعمار الأجنبي والاضطهاد الداخلي تحوّل فيها الثوار بعد وصولهم للحكم إلى طبقة حاكمة فاسدة ومستبدة وغنية بعد أن استغلوا نفوذهم ووظفوا سلطتهم في جمع الثروة واحتكارها وتوريثها لأبنائهم وأحفادهم من بعدهم، وإذا كان ذلك حدث مع ثورات انتصرت وحققت أهدافها الوطنية، فالغريب والعجيب حدوث ذلك مع ثورة لم تنتصر بعد كالثورة الفلسطينية ولم تحقق هدف التحرير والاستقلال واستبدلتهما بالسلطة التي حسب تقارير المنظمات المختصة مثل الائتلاف من أجل النزاهة والمسائلة (أمان) التي تؤكد في تقاريرها السنوية انتشار الفساد في السلطة.

الفساد عندنا مرتبط بالاستعمار في شكله القديم المباشر والحديث غير المباشر، فقد ساهم الاستعمار في إيجاد وتقديم نخب حاكمة مرتبطة به فكرياً وسياسياً واقتصادياً. كان ولا زال الفساد جزءاً من منظومة سيطرة النخب على شعوبها وكذلك سيطرة الاستعمار على تلك النخب الحاكمة، ولم تكن السلطة الفلسطينية بعيداً عن ذلك فقد كان تحوّل الثورة الفلسطينية من حركة تحرر وطني إلى سلطة تحت الاحتلال ترتبط بشراكة أمنية واقتصادية مع الاحتلال أسست لها اتفاقية أوسلو أول بوادر هذا الفساد وجوهرة ارتباط مصالح  جزء من النخبة الحاكمة في السلطة بهذه الشراكة، وهذا ما أشارت إليه الصحفية الإسرائيلية (عميرة هاس) الكاتبة في جريدة (هآرتس) بقولها: «إن الزعماء الفلسطينيين يواصلون عملهم في مهامهم القيادية... بفضل الدعم الدولي مقابل استمرار المفاوضات مع إسرائيل... وهذا يعني استمرار السيطرة الإسرائيلية وتسارع الاستيطان والوضع الأمني المستقر ... لذلك لن يستطيعوا قلب الطاولة على إسرائيل... لأن ذلك كفيل بالتشويش على وضعهم الاقتصادي وهذا هو عين الفساد».

 

الفساد عندنا مرتبط بإعطاء الأولوية لقيم ومفاهيم: القرابة العائلية والصداقة الشخصية والمعرفة البلدية والانتماء الحزبي والولاء السياسي والتبعية الاجتماعية على حساب قيم ومفاهيم: العدالة الاجتماعية والمساواة القانونية وتكافؤ الفرص والشفافية الإدارية والمساءلة المالية والكفاءة المهنية وإثابة المجتهد ومعاقبة المقصّر... مما يؤدي إلى توظيف وترقية من لا يستحق وغير الكفء على حساب من يستحق والكفء؛ فينعكس سلباُ على الأداء الوظيفي والارتقاء بالعمل وتطوير المؤسسة؛ بل يحدث أثراً سلبياً عميقاً على المجتمع يؤدي إلى إعاقة الحراك الاجتماعي الإيجابي الصاعد فبدل تصعيد الأصلح والأفضل لإدارة عجلة المجتمع يؤدي إلى تصعيد الأسوأ ممن يعيقون تقدم المجتمع.

ولا نستغرب بعد ذلك في ظل هذه الأنظمة إن تحوّل الجمود إلى استقرار والفساد إلى أصل والاستبداد إلى نمط حياة والغش إلى شطارة والوصولية إلى ذكاء اجتماعي. ولا نستغرب في ظل سيادة قيم الانتماء الحزبي والولاء السياسي أن يكون الانقسام الفلسطيني معززاً لظاهرة الفساد في السلطة سواء في رام الله أو غزة فيتم الفصل من الوظيفة العمومية على خلفية الانتماء الحزبي والولاء السياسي، كما يتم التعيين في الوظيفة العمومية على نفس الخلفية إضافة إلى استخدام الوظيفة والراتب لعقاب المعارضين أو للضغط على الطرف الآخر.

في الختام إذا كان نتنياهو فاسداً وهو كذلك، فإن النظام السياسي والقضائي في الكيان الصهيوني يسمح بكشفه ومعاقبته، أما الفساد عندنا فرغم أن القانون يسمح نظرياً بكشفه ومعاقبته؛ إلاّ أن ذلك لا يحدث إلاّ بطريقة انتقائية ترتبط بالصراع داخل النخبة الحاكمة، أو بعد فضيحة فساد لمسؤول من المستحيل سترها، أو بعد عزل الحاكم أو المسئول من منصبه... ولا مجال للتخلّص من الفساد قبل التخلّص من الاستبداد والتبعية للاستعمار والقيم المرتبطة بالفساد... وبناء منظومة لمكافحة الفساد بطريقة منهجية متواصلة ترتكز على قيم النزاهة والكفاءة والشفافية والمساءلة وغيرها.